الغزالي

485

إحياء علوم الدين

وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ، ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق ، شعثا غبرا متواضعين لرب البيت ، ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته ، مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم ، وأتم في إذعانهم وانقيادهم ، ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ، ولا تهتدى إلى معانيها العقول : كرمى الجمار بالأحجار ، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار . وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ، فان الزكاة ارفاق ، ووجهه مفهوم ، وللعقل إليه ميل . والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله ، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل ، والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع ، وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل . فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس للطبع فيها ، ولا اهتداء للعقل إلى معانيها ، فلا يكون في الاقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد ، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط ، وفيه عزل للعقل عن تصرفه وصرف النفس والطبع عن محل أنسه ، فان كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل ، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص [ 1 ] « لبيك بحجّة حقّا تعبّدا ورقّا » ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم ، وأن يكون زمامها بيد الشرع ، فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد ، وعلى مقتضى الاستعباد وكان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق . وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات . وهذا القدر كاف في تفهم أصل الحج إن شاء الله تعالى وأما الشوق : فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله عز وجل ، وأنه وضع على مثال حضرة الملوك ، فقاصده قاصد إلى الله عز وجل وزائر له ، وإن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يضيع زيارته ، فيرزق مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له ، وهو النظر إلى وجه الله الكريم في دار القرار من حيث إن العين القاصرة الفانية في دار الدنيا